ابن عابدين

251

حاشية رد المحتار

الشامل للمباح والمندوب والواجب والمكروه كما قاله الشمني . بحر . ملخصا . قلت : لكن حاصل الجواب أن كونه مبغوضا لا ينافي كونه حلالا ، فإن الحلال بهذا المعنى يشمل المكروه وهو مبغوض ، بخلاف ما إذ أريد بالحلال ما لا يترجح تركه على فعله ، وأنت خبير أن هذا : الجواب مؤيد للقول الثاني ، ويأتي بعده تأييده أيضا ، فافهم . قوله : ( وقولهم الخ ) جواب عن قوله في الفتح إن قولهم بإباحته وإبطالهم قول من قال لا يباح إلا لكبر أو ريبة بأنه ( ص ) طلق حفصة ولم يقترن بواحد منهما مناف لقولهم الأصل فيه الحظر ، لما فيه من كفران نعمة النكاح والإباحة للحاجة إلى الخلاص ، ولحديث : أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق وأجاب في البحر بأن هذا الأصل لا يدل على أنه محظور شرعا ، وإنما يفيد أن الأصل فيه الحظر وترك ذلك بالشرع فصار الحل هو المشروع ، فهو نظير قولهم : الأصل في النكاح الحظر ، وإنما أبيح للحاجة إلى التوالد والتناسل ، فهل يفهم منه أنه محظور فالحق إباحته لغير حاجة طلبا للخلاص منها للأدلة المارة اه‍ . أقول : لا يخفى ما بين الأصلين من الفرق ، فإن الحظر الذي هم الأصل في النكاح قد زال بالكلية ، فلم يبق فيه حظر أصلا إلا لعارض خارجي بخلاف الطلاق ، فقد صرح في الهداية بأنه مشروع فيه ذاته من حيث إنه إزالة الرق ، وأن هذا لا ينافي الحظر لمعنى في غيره ، وهو ما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية اه‍ . فهذا صريح في أنه مشروع ومحظور من جهتين ، وأنه لا منافاة في اجتماعهما لاختلاف الحيثية كالصلاة في الأرض المغصوبة ، فكون الأصل فيه الحظر لم يزل بالكلية بل هو باق إلى الآن ، بخلاف الحظر في النكاح فإنه من حيث كونه انتفاعا بجزء الآدمي المحترم واطلاعا على العورات قد زال للحاجة إلى التوالد وبقاء العالم . وأما الطلاق فإن الأصل فيه الحظر ، بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه ، وهو معنى قولهم : الأصل فيه الحظر والإباحة للحاجة إلى الخلاص ، فإذا كان بلا سبب أصلا لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص ، بل يكون حمقا وسفاهة رأي ومجرد كفران النعمة وإخلاص الايذاء بها وبأهلها وأولادها ، ولهذا قالوا : إن سببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى ، فليست الحاجة مختصة بالكبر والريبة كما قيل ، بل هي أعم كما اختاره في الفتح ، فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعا يبقى على أصله من الحظر ، ولهذا قال تعالى : * ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) * ( سورة النساء : الآية 43 ) أي لا تطلبوا الفراق ، وعليه حديث أبغض الحلال إلى الله عز وجل الطلاق قال في الفتح : ويحمل لفظ المباح على ما أبيح في بعض الأوقات : أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة اه‍ . وإذا وجدت الحاجة المذكورة أبيح ، وعليها يحمل ما وقع منه ( ص ) ومن أصحابه وغيرهم من الأئمة صونا لهم عن العبث والإيذاء بلا سبب ، فقوله في البحر : إن الحق إباحته لغير حاجة طلبا للخلاص منها ، إن أراد بالخلاص منها الخلاص بلا سبب كما هو المتبادر منه فهو ممنوع لمخالفته لقولهم : إن إباحته للحاجة إلى الخلاص ، فلم يبيحوه إلا عند الحاجة إليه لا عند مجرد إرادة الخلاص ، وإن أراد الخلاص عند الحاجة إليه فهو المطلوب . وقوله في البحر أيضا : إن ما صححه في الفتح اختيار للقول الضعيف وليس المذهب عن علمائنا ، فيه نظر ، لان الضعيف هو عدم إباحته إلا لكبر أو ريبة . والذي صححه في الفتح عدم التقييد بذلك كما هو مقتضى إطلاقهم الحاجة .